أبي حيان الأندلسي

377

البحر المحيط في التفسير

ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ « 1 » ، ومثله : وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ « 2 » ، فيكون في بمعنى الباء ، ثم يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ ، كأنه قال : أو لم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا . انتهى . ويجوز أن يكون تفكروا هنا معلقة ، ومتعلقها الجملة من قوله : ما خَلَقَ إلى آخرها . و فِي أَنْفُسِهِمْ : ظرف على سبيل التأكيد ، لأن الفكر لا يكون إلا في النفس ، كما أن الكتابة لا تكون إلا باليد . و بِالْحَقِّ : في موضع الحال ، أي وهي ملتبسة بالحق مقترنة به ، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه وهو : قيام الساعة ، ووقت الحساب والثواب والعقاب . ألا ترى إلى قوله : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ « 3 » . كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا ؟ والمراد بلقاء ربهم : الأجل المسمى . وقال ابن عطية : إِلَّا بِالْحَقِّ ، أي بسبب المنافع التي هي حق واجب ، يريد من الدلالة عليه والعبادة له دون فتور ، والانتصار للعبرة ومنافع الإرفاق وغير ذلك . وَأَجَلٍ عطف على الحق ، أي وبأجل مسمى ، وهو يوم القيامة . ففي الآية إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية هذا العالم . ثم أخبر عن كثير من الناس أنهم كفروا بذلك المعنى ، فعبر عنها بلقاء اللّه ، لأن لقاء اللّه هو عظيم الأمر ، فيه النجاة والهلكة . انتهى . وقال أبو عبد اللّه الرازي : قدم هنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ، وفي : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ « 4 » دلائل الآفاق على دلائل الأنفس ، وحكمة ذلك أن المفيد يذكر الفائدة على وجه يختارها ، فإن فهمت ، وإلا انتقل إلى الأبين . والمستفيد يفهم أولا الأبين ، ثم يرتقي إلى الأخفى . وفي أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا بفعل مسند إلى السامع ، فبدأ بما يفهم أولا ، ثم ارتقى إليه ثانيا . وفي سَنُرِيهِمْ « 5 » أسند إلى المفيد ، فذكر أولا الآفاق ، فإن لم يفهموا ، فالأنفس ، إذ لا ذهول للإنسان عن دلائلها ، بخلاف دلائل الآفاق ، لأنه قد يذهل عنها ، وهذا مراعى في الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً « 6 » الآية . بدأ بأحوال الأنفس ، ثم بدلائل الآفاق . وقال أيضا هنا : وَإِنَّ كَثِيراً ، و قَبْلُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ، وذلك أن هنا ذكر كثيرا بعد ذكر الدلائل الواضحة ، وهما : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ، و ما خَلَقَ اللَّهُ . والإيمان بعد الدلائل أكثر من الإيمان قبلها ، فبعد ذكر الدليل ، لا بد أن يؤمن من ذلك الأكثر جمع ، فلا يبقى الأكثر . انتهى ، وفيه تلخيص . ولا

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 184 . ( 2 ) سورة فصلت : 41 / 48 . ( 3 ) سورة المؤمنون : 23 / 115 . ( 4 ) سورة فصلت : 41 / 53 . ( 5 ) سورة فصلت : 41 / 53 . ( 6 ) سورة آل عمران : 3 / 191 .